ابراهيم بن عمر البقاعي

36

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لإحسان من هو متقلب في نعمه ، في سره وعلنه ، وحركاته وسكناته ، ولا نعمة إلا وهي منه ، ومن هنا جاءت المبالغة في الصفتين ، وعلم أنهما طباق ومقابلة لختام التي قبلها ، وأن الآية من الاحتباك : دل ذكر المقتصد أولا على « ومنهم جاحد » ثانيا ، وحصر الجحود في الكفور ثانيا على حصر الاقتصاد في الشكور أولا ، قال البغوي : قيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين هرب رضي اللّه عنه عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف - يعني : فقال الركاب على عادتهم : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئا - فقال عكرمة رضي اللّه عنه : لئن أنجاني اللّه من هذا لأرجعن إلى محمد ولأضعن يدي في يده ، فسكنت الريح ، فرجع عكرمة رضي اللّه عنه إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه ، وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر ، وقال الكلبي : مقتصد في القول أي من الكفار ، لأن بعضهم كان أشد قولا وأعلى في الافتراء من بعض . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 33 إلى 34 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 33 ) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 ) ولما ظهرت بما ذكر في هذه السورة دقائق الحكمة ، وانتشرت في الخافقين ألوية العظمة ونفوذ الكلمة ، وأعربت ألسن القدرة عن دلائل الوحدانية ، فلم تدع شيئا من العجمة ، فظهر كالشمس أنه لا بد من الصيرورة إلى يوم الفصل وختم بالمكذب ، أمر سبحانه عباده عامة عاصيهم ومطيعهم بالإقبال عليه ، وخوّفهم ما هم صائرون إليه ، مناديا لهم بأدنى أوصافهم لما لهم من الذبذبة كما عرف به الحال الذي شرح آنفا فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ أي عامة ، ولفت الكلام إلى الوصف المذكر بالإحسان ترغيبا وترهيبا فقال : اتَّقُوا رَبَّكُمْ أي الذي لا إله لكم غيره ، لأنه لا محسن إليكم غيره ، اتقاء يدوم وأنتم في غاية الاجتهاد فيه ، لا كما فعلتم عندما رأيتم من أهوال البحر . ولما كانت وحدة الإله الملك توجب الخوف منه ، لأنه لا مكافىء له ، وكان إن عهد منه أنه لا يستعرض عبادة لمجازاتهم على أعمالهم لا يخشى كما يخشى إذا علم منه أنه يستعرضهم قال : وَاخْشَوْا يَوْماً لا يشبه الأيام ، ولا يعد هول البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئا بوجه . ولما كان المجرم إذا علم أن له عند الملك من يدفع عنه فتر ذلك من خوفه ، وكان ما بين الوالد والولد من الحنو والشفقة والعطف والرحمة الداعية إلى المحاماة